الإنتظار

فراسة أم عماد المرأة الستينيَّة التي تعرفتُ إليها على رصيف المحكمة المدنيَّة أصابتني بالدهشة بادئ الأمر ، حتى انتقلت إليَّ عدواها وبتُّ مثلها أمتلك هذه النظرة الثاقبة وعرفت حينها أن العين حينما تراقب و القلب إن تفرَّس والروح لو نقّبت …ستتوضَّح الصورة و ينكشف المستور ..
فقد كانت أم عماد تميِّزُ الخارجين من الجحيم كعرَّافة
هذا الشاب خارجٌ من فرع فلسطين
أما هذا فمن الجويَّة ، وذاك من السياسية ..وتلك من الفرع مئتين و خمسة عشر…
ليس هذا فحسب بل إنها تعرف المدة التي قضاها في الأقبية الموبوءة ، وكثيراً ما دفعني الفضول لسؤال المعتقل المفرج عنه من المدة التي قضاها والفرع الذي جُرَّ إليه علِّي أقع على دفعٍ ” لتكهناتها ” كما كنت أظن لكن دون جدوى..
كانت تقيس الخارج من هناك بعين الفاحص الدقيق ..تمسح قدميه بنظراتها ، ثم ساقيه ويديه ، جذعه ورأسه …تُحصي عدد عُقَد الجرب على جلده ، والقمل على ثيابه
رأسه كان يأخذ مساحة من تفكيرها … فحالة المعتقل الحليق لا تُشبه ذا الشعر ، و الأشعث ليس كالممشوط المعتنى به…والحافي متسخ القدمين لا يشبه الحافي نظيفهما ، وعاري الصدر له احتمالات وتأويلات كثيرة ترجح كفة قراءة المشهد أو توجهها لقراءة أخرى ..ثم من يُقتادُ بسيارة الجيب ليس كمن يأتي في شاحنة .. والشاحنات أنواع ..
أم عماد ..أمٌّ ككثير من الأمهات القابعات على باب المحكمة المدنية في دمشق ..
تنتظر ولدها الذي اعتقلته احدى الفروع الأمنية منذ أربع سنين …
كانت تحجز مكانها يومياً قرب الباب الرئيسي الكبير تعاين الداخلين في الشاحنات الكبيرة الوافدين من شتى الفروع … وترصد الخارجين من المجهول إلى الحياة …
الحرية للأمهات سجينات أبنائهن و الانتظار المر
الحرية لسورية .. أمنا التي تنتظر أبناءها الغائبين المشتتين