سورية على مفترق طرق

سورية على مفترق طرق
أمريكا والنظام السوري- إشكالية تاريخية :
تتزايد الضغوط الأمريكية على سوريا , منذ اغتيال الحريري , و بكثافة غير معهودة من قبل . و وفقاً للوائح الأمريكية , فإن سوريا مدرجة ضمن الدول الداعمة للإرهاب منذ ربع قرن , كذلك فهي إحدى دول “محور الشر” كما سماها الرئيس الأمريكي ,بعد أحداث نيويورك 2001 , ثم تأتي القوانين و القرارات الأمريكية متسارعة منذ الاحتلال الأمريكي للعراق . حيث أصدرت أمريكا قانون العقوبات الاقتصادية (ك2 /2003) ,ثم قانون محاسبه سوريا , و القرار 1559 للانسحاب من لبنان , ثم قانون تحرير سوريا في (آذار 2005) .(ولنلاحظ هنا :فالاحتلال أصبح يسمى تحريراً !! ) .
و السؤال :إلى متى ستستمر هذه الضغوط على سوريا , وماذا تريد أمريكا بالضبط من سوريا ؟ .
تاريخياً ,كان النظام السوري يعتبر إشكالية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال مرحلة الحرب الباردة. وتتلخص هذه الإشكالية في تنقل النظام السوري (بإدارة الرئيس الأسد الأب) بين أمريكا , و الاتحاد السوفييتي ,قطبي العالم آنذاك . وهذا ما نلحظه في مواقف النظام السوري العديدة تجاه الأحداث الخارجية الهامة مثل : حرب تشرين 1973 (معارضة أمريكية ,وموافقة ودعم سوفيتي ), الدخول إلى لبنان 1975 (معارضة سوفيتية ,وموافقة أمريكية ) , معارضة اتفاقيات كامب دايفيد (معارضة أمريكية ,وموافقة سوفيتية ) ,إسقاط اتفاق 17 أيار في لبنان (معارضة أمريكية ,وموافقة سوفيتية ) .فلم يكن النظام أمريكيا كما انه لم يكن سوفيتيا. وحين انتهى دور السوفييت في 1990 .وجد النظام السوري نفسه مرغماً على مشاركة الأمريكان والعربان التابعين,في تحرير الكويت من الاحتلال العراقي 1991 (ومتجاوباً أيضاً مع مصالحه في كسر شوكة النظام العراقي وهو العدو التاريخي للنظام السوري).ورغم انتهاء دورالسوفييت ,استمرت إشكالية النظام السوري في عدم تجاوبه و انصياعه للسياسة الأمريكية و خاصة تجاه إسرائيل حتى وفاة الرئيس الأسد عام/ 2000/ .
و مع استغلال أمريكا لأحداث (11/أيلول/2001 )وتفريغ الملعب العالمي لصالح الإرهاب الأمريكي والذي وجد ضالته في الإسلام المتطرف(أصدقاء الأمس) ليعلن بداية حربه على العالم باسم الحرب ضد الإرهاب ,حيث لم يعد ممكناً وفق الرؤية الأمريكية أن يقول أحد : لا لأمريكا . وقد عبر كل صانعي الإستراتيجية الأمريكية في العالم ,عن القاعدة الأساسية للسياسة الأمريكية العولمية الجديدة وهي: من ليس معنا فهو ضدنا و من ليس معنا فهو إرهابي ,ومن ليس معنا فهو عدونا .
و أصبح الوجود العسكري الأمريكي المكثف في أوروبا الشرقية , وآسيا الوسطى ,والخليج العربي ,بعد الحروب العولمية الثلاثة في يوغسلافيا ,ثم أفغانستان ثم العراق ,قوة الردع المباشرة التي يمكن أن تتدخل في أي وقت لردع أية ممانعة للسياسة الأمريكية في العالم .
وضمن “محور الشر” كما تسميه أمريكا والذي يضم كوريا الشمالية و إيران و سوريا . تظهر سوريا الدولة الأضعف على المستوى العسكري والاقتصادي و السياسي من جهة , إلا أنها تحتل الموقع الجغرافي و السياسي الأهم في الشرق الأوسط من جهة أخرى . من حيث حدودها مع إسرائيل ,وحدودها مع العراق / أمريكا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ,وأثرها الهام في كل من لبنان ,والمقاومة الفلسطينية .
وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق .ووقوف سوريا ضد هذا الاحتلال ,أصبحت سوريا مع إيران هدفاً مباشراً لأمريكا .وجاء اغتيال الحريري ,ليقدم فرصة ,أو حجة للتدخل الأمريكي المباشر في لبنان ,ومنه إلى سوريا ,ووضع المخطط الأمريكي ضد سوريا الذي كان يعد بهدوء ،ووضعه فوق الطاولة قيد التنفيذ .
وان وإصدار مشروع قانون تحرير لبنان وسوريا (كما نشرته جريدة السفير ونقله موقع الرأي في 8/آذار/2005 ) ,و الذي يهدف إلى تغيير النظامين في سوريا و لبنان,ليس إلا بداية لترجمة عملية للمخطط الأمريكي ضد سوريا والمقاومة اللبنانية.
و أعتمد مشروع القانون المذكور على أن سياسة الحكومة السورية تقوم على :
1- دعمها للمنظمات الإرهابية
2- وتطوير أسلحة الدمار الشامل
3- واستمرار احتلالها للبنان وتدخلها في شؤونه الداخلية
4- وقمع الشعب السوري
ويدعو المشروع إلى قيام أمريكا بجهود دبلوماسية على مستوى العالم لحصار سوريا و العمل على :
– منع سوريا من الحصول على أي منصب قيادي في مؤسسات الأمم المتحدة
– تحميلها انتهاكات حقوق الإنسان والدعوة للتحقيق في هذه الانتهاكات
– ومعارضة عضوية سوريا في المؤسسات المالية العالمية و منعها من الحصول على أي قرض
– ودعوة سوريا عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل فتح الأبواب أمام الوكالة و تعليق أي نشاط نووي
بالإضافة للعقوبات الاقتصادية المتعلقة بالاستيراد و التصدير لسوريا ,ولكل الدول التي تدعمها . ويشير القسم الأخير من القانون إلى مساعده داعمي الديمقراطية في سوريا و السيادة الديمقراطية في لبنان , ودعم جهود البناء الديمقراطي و المجتمع المدني للمنظمات الديمقراطية المستقلة وضحايا القمع و سجناء الرأي .
و يشبه المشروع في كثير من الصيغ “قانون تحرير العراق” و الذي أقر عام/ 1998 / والذي كان مقدمة للاحتلال العسكري للعراق في /2003/
وهناك دراسة أمريكية أصدرها “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” التابع للوبي الإسرائيلي في أمريكا بعنوان ( الأمن و الإصلاح و السلام ,المحاور الثلاثة للإستراتيجية الولايات المتحدة للشرق الأوسط ) وهي عبارة عن توصيات للإدارة الأمريكية الجديدة ,وتلعب دوراً هاماً في صنع القرار الأمريكي . ويستعرض جوزف سماحة (جريدة السفير بعنوان :أمريكا ,لبنان ,سوريا حتى لا نكون أغبياء . كما نقله موقع الرأي 18/آذار/2005 )جزء من الدراسة و المتعلق بالموضوعين اللبناني و السوري وما طوره روبرت ساتلوف في أطروحته المطبقة على النموذجين اللبناني والسوري بعنوان “الفوضى البنّاءة” . ففي لبنان: ضرورة الانسحاب الفوري والشامل للقوات السورية ,وإجراء انتخابات ,وتجريد حزب الله من سلاحه كما ورد في القرار 1559 . ويلوح ساتلوف بتدخل عسكري خارجي مختلف عما حصل في 1982 -1983 . وأن أمريكا ستعتبر حزب الله “منظمة إرهابية خارجية” حتى ولو تحول الحزب إلى “أكبر كتلة برلمانية” في البرلمان اللبناني .
غير أن ساتلوف لا يعتبر هذه الأهداف اللبنانية إلا حلقة في سلسة يتوجب أن تقود إلى سوريا نفسها . وهو يعتبر أن لا مصلحة أمريكية في بقاء النظام السوري ,وان البعث ليس خياراً وكذلك الأصولية الإسلامية ليست خياراً .ويقترح بناءً على ما تقدم العمل على ثلاثة محاور : جمع معلومات حول الديناميات السورية الداخلية ,بدء التطرق إلى قضية الديمقراطية في داخل سوريا (مع تلميح إلى وجوب عدم التمديد للرئيس بشار الأسد في 2007 ) ,وعدم التجاوب مع عروض السلام السورية إلا إذا أرفقت باستعداد الرئيس لزيارة إسرائيل و بطرد كافة المنظمات الإرهابية “من دمشق” .
و الخيارات المقترحة حيال سوريا في : الاستمرار في العزل ,تشجيع البدائل من أجل تغيير سياسي شامل ,الإغراء بالتحول غرباً على غرار “المثال الليبي” . وتميل الدراسة إلى دمج هذه الخيارات بعضها البعض و إلى فتح ما يجري في لبنان على ما يفترض إن يحصل في سوريا . وتطالب الدراسة بتأمين الحدود الإسرائيلية اللبنانية و اعتبار أن 425 قد طبق , و اعتبار كل عمل للمقاومة هو اعتداء ,ودعم إسرائيل في مواجهتها . . . الخ و كذلك فتح أفق التغيير في سوريا .
يمكن القول إذاً :بأن كافة الضغوط ,والقرارات ,والقوانين الأمريكية ضد النظام السوري ,ليست سوى مقدمة لتغيير هذا النظام .وبالرغم من أن الغزو الأمريكي العسكري لسوريا مستبعد في هذه المرحلة حسب تصريحات بوش و رايس و غيرها (وهذا هو أحد الأسس للتفاهم الأمريكي الفرنسي الذي جرى مؤخراً في تنفيذ القرار 1559 والانسحاب السوري من لبنان ) . إ‘لا أن هذا الخيار ليس مستبعداً في المستقبل ,إذا فشلت أمريكا في إضعاف النظام السوري إلى حد التدحرج إلى القاع الأمريكي على الطريقة الليبية ,وإذا استطاعت أمريكا الخروج من العراق منتصرة , وإذا استطاعت السيطرة على لبنان ,ونزع سلاح حزب الله .لكن هل يمكن تحقق كل هذه العوامل؟
فالمطلوب من سوريا راهناً :
1- أن تتعاون أمنياً مع أمريكا ضد “الإرهاب” الإسلامي المسلح الذي وضعته أمريكا كنقيض رئيسي لها على مستوى العالم.
2- أن تنفصل عن لبنان و توقف دعمها (مع إيران ) لحزب الله الموصوف من قبل أمريكا كمنظمة “إرهابية” بقصد تصفيته ,وتأمين السلام الكامل للشمال الإسرائيلي ,واعتبار كل مقاومة لإسرائيل إرهاباً و اعتداء على إسرائيل.
3- و أن تنفصل عن الملف الفلسطيني و تطرد وتلاحق كل المنظمات الفلسطينية التي تقف وراء المقاومة والانتفاضة الفلسطينية.
4- و أن تنفصل عن العراق وتشارك في الحصار الأمني و العسكري للمقاومة العراقية.
5- وأن تقيم معاهدة صلح منفردة مع إسرائيل وفق الشروط الإسرائيلية كما هو حال مصر و الأردن ,ثم لبنان و الداخل الفلسطيني كما يعد لهما الآن .
6- و أن تعيد هيكلة اقتصادها باتجاه اقتصاد السوق الحر المفتوح أمام الشركات العالمية وفق برنامج إعادة “الهيكلة والتكييف” مع الاقتصاد العولمي كما يقدمه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي استجابة للنظام العولمي الجديد.
ورغم أن النظام في سوريا قام بخطوات عديدة استجابة لهذه الضغوط ومحاولة التكيف معها .إلا أن الرد الأمريكي كان دائماً وجاهزاً : بأن ذلك غير كاف . لأن أمريكا تريد تغيير النظام كليا. و هذا واضح من خلال التصريحات الأمريكية اليومية . مثل تصريح “آدم أريلي” المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية (و الذي رافق رايس في جولتها الأخيرة في أوروبا و الشرق الأوسط) , حيث صرح عبر مؤتمر صحفي ” بأنه ما زالت سوريا مشكلة مهمة في لبنان ,ومشكلة مهمة في العراق ,ومشكلة مهمة فيما يتعلق بدعم الإرهابيين في إسرائيل والسلطة الفلسطينية” (السفير 25/6/200)
* *
لكن كيف يرد النظام السوري على الضغوط الأمريكية الراهنة ,وماذا يملك من أوراق مهمة بعد الانسحاب من لبنان.
تتدحرج السياسة السورية كالكرة أمام الضغوط الأمريكية منذ أحداث أيلول/ 2001/ . وبعد اغتيال الحريري كان التدحرج سريعاً و قد تجسد بالانسحاب السريع جداً من لبنان . و الإعلان رسمياً بأننا نريد أن نتعاون ونستجيب للمطالب الدولية (كما ورد في مقابلة السيد الرئيس مع مجلة التايم الأمريكية . النهار : 7/آذار/2005 ) . لكن رغم كل ما يقدمه النظام السوري ,ورغم استعداده للتعاون وتقديم المزيد على الصعد المختلفة وخاصة في (العراق ,ولبنان ,وفلسطين) ,إلا أن الرد الأمريكي كان يأتي دائماً بأن ذلك غير كافٍ .لأن الإستراتيجية الأمريكية –كما ذكرنا سابقاً- تسعى إلى تغيير النظام ,أو تسعى إلى دحرجته نحو القاع الأمريكي.ولن يكفي أمريكا التعامل الجزئي مع مطالبها .ولن تقبل بأنصاف الحلول.والسيد الرئيس يعرف أن أمريكا حسمت إستراتيجيتها باتجاه تغيير النظام في سوريا . وهذه هي المشكلة . ولأنه يعرف أيضا أن أمريكا غير قادرة على تغيير النظام في المرحلة الراهنة. أجاب بارتياح على مراسل نيويورك تايمز حين سأله : ماذا تريد إدارة بوش ؟ ,أجاب “لا أعرف, وهذه هي المشكلة ” (جيمس بينت – ترجمه ناديا عطار .موقع سيريا نيوز 11/7/2005).
لكن هل هذا التغيير ممكن في المرحلة الراهنة ؟فإذا كان الخيار العسكري مستبعدا,فهل يمكن أن يتدحرج النظام السوري نحو القاع الأمريكي على طريقة “القذافي”؟وهل يمكن وضع تصور ما حول سيناريوهات الخروج من المأزق الراهن؟
و بالحقيقة هناك عدد من الإشكاليات والعوامل هي التي تحكم السياسة السورية . وتمنعها من التدحرج نحو القاع الأمريكي على الطريقة القذافية ؟.ومن هذه العوامل :
1- التناقض مع النظام العولمي الأمريكي الجديد .
والذي يعبر عن نفسه باختلاف سرعه التغيرات العالمية من جهة و سرعة تلاؤم هذا النظام مع هذه التغيرات من جهة ثانية . فهذا النظام الجديد هو وريث نظام “الأسد الأب” الذي تشكل في ظروف الحرب الباردة ,وما زال هذا النظام الجديد محافظاً على العديد من السمات العامة للنظام السابق, و التي لم تعد ملائمة للنظام العولمي الأمريكي الجديد ,سواء المتعلق منها بالمستوى الوطني تجاه الأراضي السورية المحتلة,أم بالمستوى الداخلي والمتعلق بالمؤسسات والبنى العامة التي أقامها النظام السابق.
والنظام السوري يجد في المسار المصري مستقبله . إلا أن المسار المصري استغرق أكثر من ربع قرن للتحول من مرحلة” جمال عبد الناصر ” إلى مرحلة الاستقرار في القاع الأمريكي . وتم ذلك في مرحلة كانت أمريكا تبحث عن حلفاء لها في الشرق الأوسط والعالم كله ,وكانت تقدم للحلفاء الجدد دعماً مادياً وعسكرياً وسياسياً للوقوف ضد الاتحاد السوفيتي . فقدمت للسادات كل ما يريده من مساعدات اقتصادية وعسكرية ,و قدمت له سيناء المحتلة كاملة ,مقابل كسبه حليفاً لأمريكا و لإسرائيل .واستطاع النظام بعد السادات أن يقوم بتغييرات تدريجية في الاقتصاد و السياسة و يستمر في السلطة وأن يكون رأس السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ,وأن يكون أجيراً بامتياز في المرحلة الراهنة يتلقى المساعدات الأمريكية السنوية .
هذا المسار الذي استغرق أكثر من ربع قرن ,على النظام السوري الآن أن ينجزه بسنوات قليلة . عليه أن يستجيب لمطالب النظام العولمي الأمريكي الجديد,ويحافظ على استمراره في السلطة في نفس الوقت. وهذا يتم في مرحلة جديدة ,حيث أمريكا لا تبحث عن حلفاء ,إنما تبحث عن إجراء ,ولا تقبل بأنصاف الحلول (كما هو في السابق) ,إنما تصدر الأوامر و على الجميع أن ينفذ.!
و النظام الجديد في سوريا يحاول تجديد أسس استمراره ,وتأسيس شرعية لهذا الاستمرار .فمن جهة أولى: لا يمكن لهذا النظام أن يوقع معاهدة صلح و أمن مع إسرائيل وفق شروط هذه الأخيرة و يتخلى عن الجولان المحتل ,أو عن جزء منه ,لأن ذلك يفقده سيادته ,وشرعيته التي ما زال يعمل على تأسيسها (رغم أنه لم يطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل منذ ثلاثين عاماً ,و أنه لم يكن قادراً على الرد العسكري ضد إسرائيل واعتداءاتها المتكررة ضد سوريا خلال المرحلة الماضية ) . و من جهة ثانية: فالتحول السريع نحو اقتصاد السوق العولمي ,يعني فقدان الطبقة المهيمنة في النظام والتي تشكلت عبر نهب الأموال العامة, الفرصة للاستمرار في الحكم ,و ذلك بفقدانها فجأة”المرضع الأم” أي الدولة ومنشآتها كمصدر دائم للنهب المستمر من جهة , وفقدانها أمكانية تحولها خلال فترة قصيرة ,إلى طبقة ليبرالية شرعية تعمل في الاقتصاد بقطاعاته المختلفة و تهيمن على اقتصاد البلد ( كما كانت البداية مع صفقة الخليوي) . بالإضافة إلى أن هذا الانتقال السريع سيفرز هزات اقتصادية و اجتماعيه عنيفة , لن تستطيع حتما السلطة السيطرة عليها .
هذه الإشكالية هي التي تجعل السياسة السورية بطيئة كالسلحفاة في استجابتها للنظام الأمريكي العولمي الجديد و ما يتطلبه مشروعه في الشرق الأوسط (الصغير أو الكبير) .وهذا ما يجعل أمريكا تردد دائماً:هذا غير كافٍ.
فالتعارض موضوعي بين مصالح النظام السوري والمصالح الأمريكية . واستجابة النظام السوري لأمريكا بشكل كامل في المرحلة الراهنة تعني ببساطة أن النظام يعمل على إسقاط نفسه , وهذا منافٍ لمنطق السياسة ,ولمنطق الحياة .
2- استبعاد التدخل العسكري الخارجي:
إن النظام في سوريا يعرف بأن أمريكا غير قادرة في هذه المرحلة على تغيير النظام بالقوة العسكرية .وليست المسألة هنا قوة أمريكا العسكرية وقدرتها على تدمير القوات العسكرية السورية ودخولها دمشق فقط . إنما المسألة بأن تصريح أمريكا بأنها لا ترغب باستعمال القوة ضد النظام في سوريا ,ليس لأن أمريكا لا تملك أو لا ترغب حقاً في استخدام القوة ,بل لأن أمريكا غير قادرة على ذلك في المرحلة الراهنة, لأنها تدرك أن مصالحها على كافة الأصعدة ستتهدد فعلياً إذا فجرت ثلاث بلدان متجاورة (العراق وسوريا ولبنان) وقد تشتعل المنطقة بالكامل بما فيها إسرائيل .وليس بالضرورة أن تخرج أمريكا من تفجير كهذا منتصرة .وخاصة أنها لن تلقى أي دعم دولي و عربي كامل . حيث تواجه أمريكا عندئذ ليس “الفوضى البنّاءة” بل “الفوضى المدمرة” لها وللبلدان التي تحتلها.
3- الشعور بالقوة في الداخل السوري :
بالحقيقة من الصعب هنا توصيف الأزمة التي يعاني منها النظام داخل سوريا على المستويات جميعها:السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.وبالرغم من وجود عدد كبير من الدراسات من قبل المعارضة والسلطة.إلا أن الخطابية والحماسة تغلب على أكثر هذه الدراسات.فإما المغالاة في توصيف الأزمات إلى حد وضع سوريا على حافة الانهيار و المأساة الكبرى,كما يراها رموز المعارضة. أو المغالاة في الاتجاه المعاكس,حيث يقلل رموز السلطة من حجم الأزمات إلى حد التعتيم عليها ونكرانها.
— على المستوى السياسي: فالأزمة السياسية ,من وجهة نظر النظام ليست مستفحلة كما يصورها رموز المعارضة.سواء المتعلق منها بالأزمة داخل النظام ,أم مع المعارضة.وكل ما قيل أو كتب حول أزمة السلطة الداخلية ,والحرس القديم والحرس الجديد وان الرئيس الجديد لا يحكم……الخ هو تعبير عن تمنيات وتأويلات غير واقعية.وقد خرجت السلطة بعد المؤتمر العاشر لحزب البعث أكثر قوة وتماسكا. وتم استبعاد العديد من القيادات السابقة ,في كافة المواقع السياسية والأمنية, دون أي ضجة.وهذا يؤشر لعدم وجود أزمة أو خلخلة داخل النظام.
ومن جهة أخرى,لا تشكل المعارضة الداخلية أية قوة يمكن لها أن تشكل أية إشكالية حقيقية للنظام .ومازال النظام قادرا على وضعها كلها داخل السجن ,ومنع أي نشاط لها ,دون أية ضجة. فما زالت المعارضة ضمن إطار ” حديث المثقفين “,أو مازالت في مرحلة ” مشروع معارضة ” . وهذا كله يجعل النظام يشعر بالقوة على المستوى السياسي.
— وعلى المستوى الاقتصادي: فالسلطة تقوم بالإصلاح الاقتصادي على طريقتها وبشكل تدريجي وبهدوء كبير.ورغم وجود أزمة اقتصادية كبيرة في سوريا ,إلا أن النظام مازال مسيطرا عليها وليس بقوة الأجهزة الأمنية فقط,,بل بقوة اقتصاد السلطة أيضا.ومؤشرات ذلك عديدة ومنها:عدم وجود مديونية للدول والمصارف العالمية كما هو حال اغلب دول العالم الثالث التي تعاني من أزمة اقتصادية مستفحلة.وان سعر الصرف لليرة السورية مستقرا ومسيطرا عليه,بفعل احتياطي النقد الكافي والموجود في المصرف المركزي.والنظام لا يتلقى أية مساعدات من أمريكا وغيرها,كما هو حال مصر والأردن وغيرهما.وان معدل النمو الاقتصادي ,والميزان التجاري ليس سالبا (بسبب وجود النفط ).
هذا كله لا يعني عدم وجود أزمة اقتصادية في سوريا.إنما يعني أن هذه الأزمة مسيطر عليها من قبل السلطة حتى الآن وربما يلعب النفط دورا هاما في ذلك.وهذا بدوره يجعل السلطة تتصرف براحة وهدوء في الحقل الاقتصادي ومعالجة مشاكله.
— وعلى المستوى الاجتماعي:فمازال المجتمع بعيدا عن الاهتمام بالشأن السياسي العام.إنما نجده مشغولا بالبحث عن لقمته وتحسين مستوى معيشته ,وسط تزايد معدلات البطالة المستمرة,وتراجع مستوى المعيشة بفعل التضخم المستمر. ورغم تدني الدخل للفرد السوري إلا أن ذلك لم يؤد إلى هزات اجتماعية تزعج السلطة.حيث لم نلحظ أية مظاهر احتجاجية للمجتمع ضد السلطة.
وعندما لا تتحول الأزمة السياسية والاقتصادية إلى أزمة اجتماعية تعبر عن نفسها عبر مظاهر احتجاج مختلفة للمجتمع.فان السلطة في هذه الحالة تبدو في وضع مريح إلى حد ما.وهذا هو واقع النظام في سوريا والذي يقدم جرعات سنوية مهدئة لموظفيه(عبر زيادة الرواتب) الذين يتجاوز عددهم المليونين,ويعتبرهم النظام بمثابة الجسد الاجتماعي له .
ببساطة عدم وجود بديل للنظام في الداخل السوري,هو الذي يجعله يشعر بالقوة .
ولذلك وللأسباب السابقة(التناقض مع النظام العولمي الأمريكي- واستبعاد التدخل العسكري الأمريكي- والموقع القوي في الداخل): يجعل النظام السوري متماسكا حتى بعد الانسحاب السريع من لبنان والذي حاول عبره فك التحالف بين أمريكا وفرنسا والدول العربية خاصة (مصر و السعودية) تجاه سوريا . و كذلك أكثر تصلباً و شعوراً بالقوة بعد المؤتمر القطري لحزب البعث ,و في تصريحاته بأنه قطع العلاقات الأمنية مع المخابرات الأمريكية .وهادئا جداً في ملاحقة رموز المعارضة الداخلية و مضايقتهم ,ومنذراً من جديد بالاعتقال لرموز التيار الديني وعدم السماح لأحد بتجاوز الخط الأحمر الذي رسمه منذ/ 1980/ . ومازال الإعلام السوري الرسمي ينشر ثقافة العداء لأمريكا واحتلالها للعراق,والعداء لإسرائيل واحتلالها للجولان . وينشر ويدعم ثقافة المقاومة الممثلة بحزب الله في لبنان , والمقاومة العراقية , والمقاومة في الداخل الفلسطيني.
لذلك يبدو الحديث عن النظام السوري بأنه لم يعد يملك أية أوراق مهمة بعد خروجه بالشكل الضعيف من لبنان , هو حديث أقرب إلى التمنيات والأحلام , وبعيد عن الواقع الفعلي العياني.
* * *
لكن هل هذا يعني أن الواقع السوري بخير. بالتأكيد لا . ولقد ذكرنا أن السيطرة على الأزمة لا ينفي وجودها .وهذا أولا.وثانيا ,فان الاستمرار في حصار سوريا وتوسيعه,يجعل الأزمات المتعددة لسوريا تتفاقم ,وعلى الأرجح فالنظام لن يكون قادرا على السيطرة عليها في المستقبل .وخاصة أن النظام لا يملك عدّة قوية أو أوراقا هامة للمستقبل:
— حيث أصبحت سوريا كأنها مطوقة بحزمة من الأسلاك الشائكة ملتفة حول عنقها , من الجهات الأربع : (العراق ,لبنان, إسرائيل,الأردن) وكلها تحت السيطرة الأمريكية,بالاضافة الى تركيا التي تتعرض الى ضغوط امريكية مستمرة للمشاركة في حصار سوريا. وهذا يجعل من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم أكثر .حيث البطالة تزداد والفساد يزداد ,وكأن طبقة الفاسدين المهيمنة في السلطة تشعر بأيامها الأخيرة !.والنفط الذي يلعب دوراً كبيراً في اقتصاد السلطة (يشكل ثلثي الصادرات) سينفذ بعد سنوات قليلة حسب الأعلام الرسمي .وليس هناك من يدعي المعرفة بتوقيت الانفجار الاجتماعي الداخلي القادر على جرف كل شيء أمامه.
— كما أن سوريا معزولة حاليا على المستوى الدولي وعلى المستوى العربي .ومرشحة للعزل أكثر بفعل توسيع وتعميق الحصار الأمريكي في المستقبل.
— وعلى المستوى السياسي لا تجد السلطة أي حلفاء حقيقيين.وأيضا لم يعد ممكنا استمرار النظام القائم بالسلطة بنفس العقلية الأمنية القديمة التي تصادر الحياة السياسية كلها.ولم يبق في المنطقة بلد واحد سوى سوريا التي تقمع الحريات العامة,ولا يوجد فيها قانون عصري وعادل ينظم الحياة السياسية,والحريات العامة السياسية والاجتماعية والثقافية….الخ
— ولكي يستمر هذا النظام في الحكم عليه أن يؤسس لشرعية وجوده . فالمشروع الإصلاحي الذي عبر عنه خطاب القسم للرئيس الجديد منذ خمس سنوات ,والذي حاول من خلاله تأسيس هذه ا لشرعية للنظام الجديد , لم يجد من ينفذه لصالح هذا المجتمع على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . و “العطايا” التي تم تقديمها ” للرعايا ” سواءً زيادة الرواتب للموظفين التي يأكلها السوق سريعاً .فنسبة الفقر في سوريا (30%)من عدد السكان أي حوالي /5,2/ مليون نسمة ,منهم /2,2/ مليون تحت خط الفقر(حسب المكتب المركزي للإحصاء) . أوالفسحة بحرية الكلام لأصحاب الرأي المعارض والتي سرعان ما يتم خنقها بالقبضة الأمنية .فالجميع في سوريا يأمل وينتظر منذ خمس سنوات إصلاحا حقيقيا ,وعلى أساس الترجمة الفعلية لهذا الإصلاح يكتسب النظام شرعية وجوده على رأس المجتمع . وإلا فان العصر الحالي والمستقبل لم يعد يستوعب حالات الاغتصاب لفترات طويلة.
والعديد من المثقفين والأحزاب(وخاصة في الداخل)والذين عبروا عن موقفهم تجاه الأزمة الراهنة يجمعون ,وهم على حق,على أن المنفذ الوحيد للخروج من المأزق هو التفات النظام نحو الداخل وتقوية الداخل السوري عبر مصالحة مع المجتمع,واحترام حرياته وحقه في اختيار ممثليه,واختيار لقمته……..الخ وهو المنفذ الوحيد لكي يصبح النظام أقوى بوجه الضغوط الأمريكية المتزايدة.ويصبح أقوى عند ما يكون شرعيا أمام مجتمعه .
و ضمن الرؤية السابقة للمشهد يمكن تفسير السياسة السورية بتناقضاتها المختلفة .وكيف تتدحرج الكرة السورية دون النزول إلى القاع الأمريكي ,كيف تتدحرج الكرة السورية أمام الضغوط الأمريكية و تعبر عن تعاملها مع المطالب الدولية ,دون أن يكون النظام قادراً على وقف التعاون مع حزب الله , والمقاومة الفلسطينية , والمقاومة العراقية . إنه يستجيب جزئياً للمطالب الأمريكية حفاظاً على ذاته كنظام مستمر في السلطة . إذ ماذا يفيده أن يستجيب لأمريكا كلياً ,ويخسر ذاته كنظام مسيطر.إلا انه مضطرا لأن يواجه السياسة الأمريكية التي تريد اقتلاعه وليس الحوار معه ,وعلى أرضية عجزه العسكري و الاقتصادي و السياسي.
فإذا كان الحل العسكري الأمريكي مستبعدا ,والحصار الراهن لن يؤدي للتدحرج نحو القاع الأمريكي على طريقة القذافي,فما هو المخرج ؟هل يمكن لسوريا أن تتفكك من الداخل بدون تدخل عسكري خارجي؟هل يمكن أن تلجأ أمريكا إلى عادتها القديمة وهي الانقلاب العسكري من داخل السلطة؟ ومع أن أجوبة لأسئلة كهذه لن تكون شافية ونهائية.إلا انه ضمن معطيات الرؤية السابقة يمكن القول :
— إن الحل العسكري الأمريكي يعني زوال السلطة والوطن كله.وهذا يعني تدمير الوطن وإعادته للوراء عشرات السنين,كما نراه الآن في العراق.ولا أظن أي معارض وطني يدعو لذلك.وكما ذكرنا سابقا فهو مستبعدا الآن.
— واستبعاد هذا الحل العسكري,وعدم تشكل معارضة في الداخل,فان النظام القائم سيبقى موجودا وقادرا على إدارة الأزمات التي يعيشها لفترة طويلة.وقد تتجاوز عشر سنوات.بالرغم من أن تحديد السنوات في مثل هذه الحالات لن يكو ن دقيقا. بمعنى آخر فالمراهنة على التفكك الداخلي في المدى المنظور يعني الوقوع في فخ الأوهام.
— أما إمكانية الانقلاب العسكري فهذه مسالة لا يعرفها إلا ” الشيطان ” والمخابرات الأمريكية .لكن اعتقد أن عصر الانقلابات العسكرية قد ذهب إلى غير رجعة.والانقلاب الأخير في موريتانيا ليس إلا حالة خاصة لا تشير إلى إمكانية تعميمها. لكن هذا لا يعني أن أمريكا لا تخطط لذلك عندما لا تجد أمامها خيارات تفضل.
— والحل الأخير والمهم هو المصالحة الوطنية الداخلية الذي تدعو إليه رموز المعارضة في الداخل,وهذا أيضا وهم لن يتحقق. وبذلك يبقى الحلم مرتبطا بتشكل معارضة حقيقية وطنية على الأرض وغير مرتبطة بالخارج, قادرة بفعل ارتباطها بمجتمعها إخراج البلاد من النفق الذي تعيشه.واعتقد أن ترجمة هذا الحلم على الأرض ضروري,لكنه يحتاج الى عمل هادئ وكثير,ووقت طويل.
مروان عبد الرزاق 15/9/2005/

ثالثا: أمريكا- والمعارضة السورية
كان يسود ,في حقبة الحرب الباردة ,نوع من التوازن على المستوى الدولي .ولذلك كانت العلاقة بين الداخل والخارج ,أو بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة عموماً ,أكثر توازناً مما هو عليه الآن .فالموالاة لأمريكا كان يقابلها موالاة للسوفييت .وهذا لم يكن على صعيد معارضة – سلطة فقط . إنما كانت هذه الموالاة تتحدد تجاه مشاريع إيديولوجية مختلفة (وطنية وقومية واشتراكية وليبرالية) ,اشترك في حملها والدفاع عنها سلطات ومعارضات ,في كل دول العالم المتخلف الذي ظل تابعاً للمراكز العالمية حتى بعد استقلاله .
وفي سوريا ,ومقابل السلطة التي جمعت الإيديولوجيات كلها في سلة واحدة فكانت اشتراكية وقومية وإسلامية وأخيراً ليبرالية . وكانت سوفيتية وأمريكية بآن واحد,و العكس صحيح أيضا. توزعت المعارضة السورية أيضاً بين الولاء للسوفييت بنسب مختلفة بالنسبة لليسار والولاء لأمريكا (للإخوان المسلمين والبعث العراقي)
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي ,وسيادة القطب الأمريكي ,ولجوء أمريكا إلى القوة العسكرية لفرض وجودها على العالم ,أصبح الموقف من أمريكا يعبر عن إشكالية حقيقية في الفكر السياسي .وازداد الموقف تعقيداً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ,وانبطاح الأنظمة العربية جميعاً وبلا استثناء أمام الغول الأمريكي .أصبح الموقف من أمريكا يعبر عن إشكالية حقيقية في الفكر السياسي للمعارضة عموماً بكافة أيديولوجياتها .حيث انقسم الفكر السياسي إلى اتجاهين كبيرين ,اتجاه مع أمريكا ,وآخر ضد أمريكا,وبينهما اتجاهات وسطية عديدة تميل أكثر أو أقل لهذا الاتجاه أو ذاك .
وقد برزت إلى السطح العديد من هذه الاتجاهات منذ الاحتلال الأمريكي للعراق ,وخاصة بعد اغتيال الحريري وتزايد الضغوط الأمريكية على النظام السوري .
1- الاتجاه “الجلبي” السوري الجديد :
والذي لا يخفي ولاءه لأمريكا و دعوتها لإسقاط النظام السوري بالقوة العسكرية كما حصل في العراق ,والذي تعمل أمريكا على صنعه في واشنطن (كما صنعت جلبي العراق ثم رفسته فيما بعد كما ترفس أجهزة الأمن المخبرين المأجورين بعد انتهاء مهمتهم). مثل حزب الإصلاح برئاسة فريد الغادري الذي أجتمع مع آخرين مع ممثلين عن وزارة الدفاع الأمريكية في( آذار-2005) بواشنطن بقصد الترتيب لكيفية / إضعاف /وإسقاط النظام السوري .وينضم لهذا الاتجاه الحزب الجمهوري السوري ومقره أسبانيا , وأحزاب جديدة أخرى يتم تفريخها يوميا في دوائر الاستخبارات الأمريكية المنتشرة في كل دول العالم, و العديد من ” السياسيين و المثقفين الجدد ” الذين يطلون برؤوسهم عبر الفضائيات .
وهنا نجد أنفسنا أيضاً أمام ثقافة جديدة .وهي ثقافة الاحتلال التي تروج للاحتلال وتجعل منه منقذاً ومخلصاً ,ومحررا.!وتجعل من الخيانة الوطنية وجهة نظر يجب احترامها.!وتروج للمحتل الأمريكي باعتباره أفضل من الحكومات الوطنية المستبدة,وان التخلص من المحتل أسهل بكثير من الحكومة المستبدة الوطنية…….الخ. فالاتجاه” الجلبي” القادم من الخارج على دبابة الاحتلال ليس خائناً لوطنه وشعبه !! وهذا يتم تمريره تحت راية الديمقراطية والحرية والرأي الآخر .حيث تتحول الخيانة الوطنية إلى رأي آخر و لا يجوز أبداً إطلاق صفة الخيانة على هذا الرأي الآخر ! لأنه – بحسب هذه الثقافة – لا يجوز تخوين الرأي الآخر مهما كان نوعه . و إلا فأنت تحمل عقل تخويني قديم يجب استئصاله !
بالحقيقة نحن لسنا أمام رأي آخر يجب احترامه مهما كان هذا الرأي ,ونحن لسنا أمام ثقافة الحرية والديمقراطية .إنما نحن أمام ثقافة الاحتلال التي يدفعها أمامه في محاولة لتبرير احتلاله ,كما وفدت إلينا عبر التاريخ الطويل بأن أوروبا وأمريكا تنقل الحضارة والتنمية والحرية للدول المتخلفة ,و الآن أمريكا تأتي للقضاء على الاستبداد و نشر الحرية والديمقراطية !.إنما التاريخ الفعلي للاستعمار والاحتلال منذ أكثر من ألفي عام يؤكد أن الاستعمار يخرب و يهدم البلدان التي يستعمرها ,ويستثمر هذه البلدان لصالحه الخاص .وأن المحتلين هم أعداء الشعب الذي تم استعماره .وكل من يتعاون مع هذا المحتل فهو خائن .وأمامنا الآن تجربة العراق تقدم نفسها مثالا حيا لد ور الاستعمار الأمريكي وتدميره للعراق , لمن لم يقرأ التاريخ.
2- الاتجاه الثاني :
يرفض التعاون مباشرة مع الإدارة الأمريكية لكنه يشارك هذه الإدارة في الضغوط على النظام حتى سقوطه مثل (المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا) ومستشاره الإعلامي نزار نيوف .والذي دعم -عبر بياناته المعروضة على الانترنت- أمريكا في تحميل بوش لسوريا مسؤولية اغتيال الحريري والانضمام لجوقة الباحثين عن الأدلة لإثبات مسؤولية سوريا . . الخ و أن ” النظام في سوريا بحاجة إلى (دفشة أمريكية) للسقوط في الحفرة ” .ودعوة المجلس لتشكيل ” حكومة ظل “,والذهاب لصناع القرار في العالم(أي أمريكا)لنيل الاعتراف فيها.!
3- الأخوان المسلمون :
والذين أصدروا بيانهم في( 3/نيسان/2005) بعنوان ” النداء الوطني للإنقاذ ” .وتم وصف الواقع الحالي ” بالزلزال … الذي يقف على حدودنا ويهدد بالاجتياح ” و ” أن عهد الحزب وعهد الاستبداد قد انتهى ” وأن ” القوى الخارجية اعترفت أنها كانت على خطأ بدعمها للاستبداد ,وتراجعت عنه ” ويدعو البيان السلطة إلى “مؤتمر وطني شامل لا يستثني أحداً ,ولا يلغي أحداً ,يمثل كل التيارات والأطياف والطوائف و الأعراق داخل الوطن وخارجه لبناء الكتلة الوطنية التي تتحمل العبء الوطني بكل أبعاده ” وأن “يضع هذا المؤتمر الوطني الشامل برنامج عمل وطني للإنقاذ والتغيير” من أجل ولادة ” جمهورية دستورية ديمقراطية” وأعطى الأخوان للسلطة “مهلة ثلاثة أشهر كسقف للتجاوب ” وإلا ” فالإعصار قادم ليدمر كل شيء ,وعندئذ لا ينفع الندم” .ودعا البيان ” الجيش السوري ليكون عوناً على التغيير .وليكن هذا الانقلاب السلمي العظيم بحراسته وحمايته ,دون سلطان أجنبي ,ودون تدخل أجنبي . . ” وكذلك دعوة “أخوتنا أبناء الطائفة العلوية وهم شركاؤنا في الوطن والمصير ليقفوا صفاً واحداً مع أبناء شعبهم في معركة الحرية و الإنقاذ . . ” وقد صرح المراقب العام للإخوان البيانوني بأن “جماعته تطالب بتغيير جذري للنظام” .وان هذا النظام غير قابل للإصلاح وأن ” جماعته ترفض أي استقواء بالخارج ” ( الفضائية العربية – برنامج نقطة نظام – الجمعة 29/4/2005 ) .
قبل قراءة هذا البيان يمكن القول:
بدون شك يعبر الأخوان المسلمون ومنذ خمس سنوات وإصدارهم” ميثاق الشرف الوطني ” ومن بعده (المشروع الحضاري الإسلامي لسوريا المستقبل/2004/ ) عن محاولتهم للانتقال من منظمة إسلامية إرهابية طائفية سنية إلى منظمة سياسية إسلامية ديمقراطية معتدلة تؤمن بالتعددية والرأي الآخر ,تطرح برنامجاً سياسياً للإصلاح ,وتتخلى جزئيا عن الشعار الإيديولوجي “الإسلام هو الحل الوحيد” .ولتؤمن بالعمل السلمي للتغيير .وليس هناك من لا يعتبر أن ذلك هو خطوة إيجابية. لكن هذه الخطوة غير كافية ,للتحول إلى حزب إسلامي ديمقراطي معتدل ,كما يروج لذلك ,العديد من المنافقين.وذلك لأسباب عديدة :
أولا : فالإخوان يطالبون النظام بالمصالحة الوطنية ,ورد المظالم إلى أهلها ,وينفون أية مسؤولية لهم عن الإرهاب الذي حصل في الثمانينات والذي غيّر جوهرياً الصراع السياسي في سوريا .رغم أن السلطة هي التي بدأت بوضع الأسس للتمييز الطائفي منذ أكثر من ربع قرن .وذلك بالاعتماد على الطائفة العلوية في المراكز الحساسة للسلطة وخاصة الأمن والجيش.ورغم ذلك لم تكن السلطة ” علوية “فقط .وجاء الإخوان بأسلحتهم العسكرية والطائفية باسم “السنة ” وبعد أن اغتصبوا تمثيلهم للطائفة السنية وفجروا باسم السنة الحرب الطائفية,والتي لم نتخلص من آثارها بعد. ولا ننسى أن الذي بدأ الإرهاب و القتل الطائفي في سوريا هم الأخوان المسلمين في حادثة مدرسة المدفعية بمدينة حلب/1978/.
ولا يجوز اعتبار إرهاب الأخوان الطائفي كان ردة فعل فقط تجاه سلوك السلطة واستبدادها ,إنما ناتج عن البنية الطائفية للإخوان التي حاولت الاستيلاء على السلطة بالإرهاب الطائفي المسلح .وبالتالي فالأخوان والسلطة يتقاسمان المسؤولية عن الإرهاب الذي أزهق أرواح الآلاف من أبناء مجتمعنا .وكما هي السلطة مطالبة بالإصلاح ورد المظالم ,كذلك الأخوان مطالبون بالنقد الذاتي ,والمصالحة مع من تم تفجير الصراع باسمهم, والاعتذار ورد المظالم أيضاً لضحاياهم البريئة من الطوائف الأخرى. أليس للإخوان جرائم وضحايا تم قتلهم على الهوية الطائفية مثل السلطة؟فلماذا لا يعتذرون من ضحاياهم كما نطالب السلطة بذلك.؟ وهذا لم يشر إليه الأخوان في عهدهم الجديد إطلاقاً .
وثانيا: كذلك كيف يمكن للإخوان المسلمين بهذه البساطة أن يتحولوا إلى حزب ديمقراطي ومازالوا حزبا طائفيا (سنيا) ,ومازالوا يدعون (كما ورد في مشروعهم) إلى بناء دولة ديمقراطية ذات مرجع ديني ( إسلامي ) /صفحة-27/ . أي إلى دولة إسلامية مرجعيتها القرآن الكريم وصحيح السنة.إلا أن هذه (الدولة الإسلامية هي دولة مدنية تتميز بمرجعيتها الإسلامية المتفتحة )./ص-31/.فكيف تستوي الطائفية مع الإسلامية المتفتحة؟!
وكما تتعرض سوريا لخطر الاحتلال الأمريكي ,كذلك فان سورية معرضة للخطر الطائفي ,بفعل تواجد الأحزاب الطائفية سواء كانت سنية أم علوية أم مسيحية…الخ.وكما هو مطلوب وطنيا الوقوف ضد الاحتلال ,كذلك المطلوب وطنيا ليس الوقوف ضد الطائفية فقط . بل العمل ضد هذا الخطر.ومن ضمن ذلك دعوة الأحزاب الدينية كي تتخلى عن طائفيتها ،وتشارك في عملية البناء الديمقراطي كأحزاب مدنية . وإلا فان الخطر الطائفي سيكون قادما على أيديهم وخاصة الإخوان المسلمين.لان وجودهم بالصفة الدينية الطائفية السنية سيجعل من وجود أحزاب أخرى مثل : علوية ودرزية وإسماعيلية ومسيحية….الخ وبذلك تكون سوريا أمام حرب دينية طائفية لا محالة. وهذا بالتأكيد لا يرغب به أي وطني في سوريا.
وقد تناول العديد من السياسيين والمثقفين مشروع الأخوان الجديد تجاه سوريا ,بعضهم تميز بعقلية عدائية قديمة لا تقبل التغيير ,وبعضهم بعقلية النفاق السياسي و التقرب ,في محاولة لتجاوز العجز الذي يشعرون به ,وبعضهم بعقلية الواهم الذي لا يقرأ كل السطور ,أوعقلية المثقف النقدي . . . الخ .مما يمكن القول :كما أن الموقف من أمريكا أصبح يعبر عن إشكالية في الفكر السياسي السوري ,كذلك الموقف من الأخوان المسلمين يعبر عن إشكالية على نفس المستوى .إن لم تكن أكثر تعقيداً .
أما قراءة بيان نيسان السابق فتجعلنا نتوقف عند بعض الملاحظات التالية :
البيان يشير صراحة إلى الزلزال الأمريكي ,أو الاجتياح الأمريكي لسوريا بناءً على الضغوط الأمريكية والفرنسية ضد سوريا بعد اغتيال الحريري ,ويقرر أن عهد النظام قد انتهى ,وأن النظام راحل رغماً عنه بالقوة الأمريكية لا محالة .وهذه:
أولاً : قراءة خاطئة للضغوط الأمريكية .
وثانياً : هي تعبير عن استجابة لهذه الضغوط دون التعبير الصريح بالوقوف ضدها .فلماذا لا يشير البيان صراحة بالوقوف ضد الإرهاب الأمريكي ضد سوريا وإصداره قانون احتلال سوريا ,إنما يدخل عبارة ضمن البيان من خلال دعوته للجيش لحراسة هذا “الانقلاب السلمي العظيم” بدلاً من التدخل الأجنبي . فأي انقلاب سلمي عظيم يتحدث عنه البيان ,مقابل الزلزال الأمريكي الذي يحذر منه . وكذلك يصرح البيانوني بأن ” جماعته ترفض أي استقواء بالخارج ” .فلماذا لا يتم التعبير صراحة في البيان بأننا ضد الضغوط الأمريكية على بلدنا سوريا ؟ .انه ببساطة اختباء خلف الأمريكان.
وثالثا : يؤكد البيان طائفية الأخوان المسلمين. وليس تمثيلهم للطائفة السنية فقط ,بل احتكار تمثيلها الطائفي أيضاً ,عندما يدعون أبناء الطائفة العلوية للمشاركة في ” الانقلاب السلمي العظيم “! .فالطائفية والمناداة الطائفية لا تشكل ” جمهورية دستورية ” ,إنما تؤسس كانتونات طائفية ,قام الاستعمار القديم بتشكيلها منذ بدايات القرن الماضي ,ويتم إعادة إحيائها الآن على أيدي العولمة الأمريكية الاستعمارية الجديدة.
ورابعا : ماذا يعني تحديد مهلة ثلاثة أشهر لكي يسقط نفسه ,ويستجيب لعقد مؤتمر وطني وإلا فالإعصار قادم . فهل لغة الإنذارات مجدية في التعامل السياسي .؟ثم أليست لغة الإنذارات اقرب للغة الإرهاب من لغة السياسة.؟
وأخيرا : كيف يمكن أن نفسر “وإلا ” هذه ؟
فإذا لم تستجب السلطة لعقد المؤتمر الوطني فهل الإعصار القادم الذي سيدمر كل شيء : هو الاحتلال العسكري الأمريكي ,أم أن الأخوان يهددون بالعودة للعمل المسلح ,وربما بأسماء جديدة , أم يهددون بالخروج للعمل العلني من البيوت السرية لتستقبل الاحتلال العسكري الأمريكي , أم ماذا .؟ ! هذه أسئلة متروكة للإخوان للإجابة عليها . حيث أن مهلة الإنذار التي أعطاها الإخوان للسلطة قد انتهت.
4- المعارضة السورية في الداخل :
يبدو الواقع في الداخل السوري هادئا , إلا انه محتقن بفعل الأزمات العديدة التي يعيشها .
على المستوى الشعبي :فاٍن من لا يجد لقمة لأطفاله,ومن يجد نفسه عاجزا أمام مرض احد أفراد عائلته ولا يستطيع أن يعالجه ويعامل معاملة الحيوانات في المشافي الحكومية لأنه لا يعرف “واسطة” ما ، ومن يهان ويضرب من قبل عصابة أو مافيا ما أو موظف في دائرة أمنية ولا يجد في القانون نصيرا وان مجرد الدخول إلى مخفر الشرطة يعني الدخول في ورطة قد تنقلب الشكوى ضده لأنه غير قادر على الدفع ,ومن يجد نفسه في السجن لأنه عبّر عن رأيه ,والمرأة التي فقدت زوجها أو ابنها ولم يعد منذ ربع قرن ولم تعرف عنه شيئا …..الخ كل هؤلاء يتمنون قدوم حتى الشيطان ليخلصهم من هذا الواقع وليس أمريكا فقط .لكن هنا نظل في دائرة الدعاء والأمنيات .وهذا اضعف الإيمان.
وعلى المستوى الثقافي والسياسي : تبدو المسألة معقدة بعض الشيء.حيث يتم التنظير للعلاقة مع الخارج في محاولة لجعلها شرعية .فالعديد من المثقفين يرون في انه لو بقي الاستعمار الفرنسي في بلادنا لكان وضعنا الآن أفضل .وان التدخل الأمريكي في المرحلة الراهنة هو المنقذ. وتستند هذه الآراء إلى :فشل دولة ما بعد الاستقلال في تأسيس دولة قوية ومستقلة عن الغرب الاستعماري.وبدلا من ذلك تم تأسيس سلطات استبدادية تسيطر عليها مافيات فئوية شكّلت كابوسا فوق صدر المجتمع .وأخيرا انعدام آفاق التغيير من الداخل .وبالتالي الحل الوحيد هو اللجوء إلى الخارج كمخلص .! وهنا ببساطة يمكن أن نلاحظ الجذر المشترك لوجهة النظر هذه,مع السلطة الاستبدادية: وهو عدم الثقة بالمجتمع .وهذا الجذر المشترك هو الذي يجعل الاستبدادي يحرم المجتمع من حرياته الأساسية خوفا منه . وهو الذي يجعل المثقف الضيق الأفق غير واثق من أن المجتمع هو الوحيد القادر على التغيير الحقيقي نحو الأمام,ولأنه الوحيد القادر على صون هذا التغيير .
إلا أن التعبير عن هذه الآراء تقتصر في أكثر الحالات على الهمس والحديث الشفهي .لأن الإعلان عن رأي كهذا ثمنه الدخول إلى السجن . حتى لو كان على مستوى التمنيات .
وبشكل عام انحازت الأغلبية السياسية والثقافية في الداخل السوري إلى رفض الضغوط الأمريكية,وعدم الاستقواء بالخارج . و لقد قرعت المعارضة بكافة رموزها وأحزابها في الداخل,أجراس الخطر الأمريكي الذي يهدد سوريا .ورفضوا دعوة االغادري وأمثاله للانضواء تحت الراية الأمريكية ،ورفضوا مؤخرا الدعوة من قبل بعض أحزاب المعارضة في الخارج لعقد مؤتمرا للمعارضة في باريس .
إلا أن هذه المعارضة ما زالت في مرحلة ” مشروع معارضة ” ولم تتشكل بعد كمعارضة حقيقة على الأرض . وما زالت في إطار بعض النخب المثقفة.
ومع ذلك فهي تطرح مشاريع كبيرة للتغيير الديمقراطي .مشاريع اكبر من حجمها وقدراتها بكثير.
ويتلخص مشروع المعارضة بمختلف رموزها بدعوة السلطة إلى المصالحة الوطنية وعقد مؤتمر وطني وإقامة دولة ديمقراطية .وهذا يعني في الواقع السوري أن تقوم السلطة الأمنية القائمة بإسقاط نفسها وإقامة دولة ديمقراطية بديلا عنها.فهل يوجد في التاريخ كله سلطة واحدة نفت نفسها لأجل لا احد ,أو لأجل مجموعة صغيرة من المثقفين لا تملك أي رصيد داخل المجتمع.؟ضمن معلوماتي لا يوجد. لكن المعارضة مستمرة في استمرار طرح مشروعها هذا : للتغطية على عجزها وضعفها من جهة ,ومن جهة ثانية لرفع العتب عنها في المستقبل بأنها لم تطرح مشروعا منقذا للوطن. إلا أن المهم ليس طرح المشاريع ,إنما المهم امتلاك المقدرة الأولية على البدء بتنفيذها. والسلطة بالتأكيد ليست بحاجة لمن يكتب لها مشاريع ,فهي تمتلك الكثير من المثقفين الذين يمكنهم صياغة أي مشروع كان. كما أنها ليست بحاجة لنصائح مثقفين هي أدرى بضعفهم. والمسألة أن المعارضة قلصت نفسها إلى مثقف ناصح للسلطة . وبذلك تنتقل السياسة عند المعارضة من الفعل إلى اللا فعل .من ضرورة الفعل السياسي إلى اللا فعل (المثقف الناصح).
بالإضافة إلى ذلك دعا بعض الأحزاب(مثل:حزب العمل) إلى الارتقاء بعمل المعارضة وصولا إلى توحيد صفوفها وتشكيل قوة ثالثة في الوطن يمكن لها أن تطرح مشروعا وطنيا للإنقاذ ,بديلا لمشاريع السلطة ومشاريع الإدارة الأمريكية الاستعمارية .ويشترك في هذه الدعوة العدد الأكبر من المثقفين السوريين . ومع ذلك لم يلاحظ أي تقدم ملموس بهذا الاتجاه. لسبب بسيط هو أن المعارضة لم تعمل على نفسها بشكل حقيقي بقدر تعلقها بدعوة السلطة إلى عقد مؤتمر وطني .
وقد يكون مفيدا مشروع كهذا لو ترافق مع مشاريع أخرى ,تشكل مقدمة لابد منها مثل:
— أن تعمل المعارضة على خلافاتها وتجد الأسباب الحقيقية التي تجعلها تتراجع حتى على صعيد العدد .
— وان تعمل على مشروع لعقد مؤتمر وطني للمعارضة الوطنية الديمقراطية فقط .بهدف انجاز برنامج عمل مرحلي للتغيير الديمقراطي المنشود, السلمي , والتدرجي .
— وان يكون للمعارضة مشروع تجاه المجتمع.بعد أن يكون قد أجاب على أسئلة هامة حول العلاقة بين المعارضة والمجتمع.وأهمها:لماذا المعارضة بعيدة عن المجتمع,أو لماذا المجتمع بعيد عن المعارضة؟ وان تؤمن انه لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين ,لا ديمقراطية بدون مجتمع يطالب بها .
وبدون انجاز ذلك ستبقى المعارضة تردد :نريد الديمقراطية.نريد مؤتمرا وطنيا تقوم به السلطة وتقيم الدولة الديمقراطية وبشكل جذري. وبالتأكيد لن يكون هناك أية فائدة من ذلك. ببساطة لان السلطة لن تقوم بذلك.
ومن المثير للدهشة آن يكون للمعارضة مشروع تجاه السلطة.وان لا يكون لها مشروع تجاه المجتمع ,وبالوقت ذاته تتحدث باسم هذا المجتمع وتحاول أن ترسم له مستقبله. فقد يكون صحيحا أن يتم طرح مشروع وطني للانقاد بديلا عن الاستبداد والاحتلال .لكن هل هناك من هو قادرا على حمل ذلك المشروع وتنفيذه . ثم أن المجتمع إذا كان بعيدا عن المعارضة فعن أي إنقاذ نتحدث .!
على الأقل لنتعلم درسا من لبنان حيث اتفقت المعارضة على مطالب محددة(شكلت ما يمكن تسميته برنامج عمل مرحلي) ,واستطاعت تنفيذه بفضل المجتمع الذي ملأ الساحات وليس بفضل الدعم الدولي فقط .
* * *
إلا انه مقابل ذلك , هناك اتجاه آخر يشارك في الضغوط الأمريكية على سوريا,ولا يستطيع أو لا يرغب في أن يفرق بين السلطة والوطن ,ويختبئ وراء شعار حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية,واغلبهم من الليبراليين الجدد :
– مثل لقاء بعض المهتمين بحقوق الإنسان في سوريا(في حزيران 2005), مع وفد برلماني أوروبي .حيث طالب هؤلاء الاتحاد الأوروبي بعدم التوقيع مع سوريا على اتفاقية الشراكة الأوروبية – السورية .قبل أن تحل سوريا موضوع حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية(موقع الرأي /21/حزيران/2005/).دون أن يدرك هؤلاء أن اتفاق الشراكة الأوروبية السورية هو اتفاق يهم كل السوريين وليس النظام فقط.وعلى المدافعين عن حقوق الإنسان السوري أن يدفعوا باتجاه توقيع الاتفاقية لا العكس.ثم ألا يدرك هؤلاء إنهم ينفذون احد بنود ” قانون تحرير/أو احتلال سوريا ” الأمريكي الاستعماري ضد سوريا(وخاصة البند المتعلق بالضغط الدبلوماسي على سوريا ,وتحميلها انتهاكات حقوق الإنسان,والدعوة للتحقيق في هذه الانتهاكات),وبذلك وضع هؤلاء أنفسهم في موقع الأجير المجاني للمشروع الأمريكي الاستعماري لسوريا وللمنطقة. إذ لم يبق أمامهم سوى أن يطالبوا الأوروبيين بلجنة تحقيق دولية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان ,مشابهة لتلك اللجنة الموجودة في لبنان والتي تحقق في اغتيال الحريري,حتى يكتمل تنفيذهم للبند المذكور. ومع ذلك وبدون أي خجل يعتبرون هذه الخطوات ” أساسية وضرورية ليس فقط لمصلحة الشعب السوري,إنما لمصلحة الشعب الأوروبي الذي لا يرضى أن تقوم الشراكة على انتهاك حق الشعب ” .ما شاء الله! إنهم حقا مدافعون عالميون ليس فقط عن شعبهم إنما عن الشعوب الأوروبية أيضا.! في الوقت الذي لا نجد مثل هذا الشرط عند الأوروبيين للتوقيع على الاتفاقية المذكورة .
– ومن المؤسف حقا, أن رمزا وطنيا كبيرا من المعارضة السورية يقدم تصريحا مجانيا : ” بأنه لن يقاتل الأمريكان إذا جاؤوا إلى سوريا ” . بحجة أن القتال ضد الأمريكان يعني الوقوف مع السلطة . والسؤال:هل أن الأمريكان سيأتون إلى سوريا لاحتلال قصر الرئاسة فقط ويعودوا إدراجهم عائدين,أم أنهم قادمون لاحتلال سوريا والبطش بها وتقسيمها وجعلها دولة صديقة لإسرائيل…..الخ؟ وهل أن الصفر الاستعماري كما أصبح يحلو للبعض تسميته,والذي جرى تنفيذه في العراق,مازال يعجب البعض ويراه صائبا بعد كل الجرائم التي نفذتها أمريكا في العراق خلال السنتين الماضيتين,والتي دمرت حتى مستقبله.؟ والمسألة ليس أن تقاتل الأمريكان بالسلاح أم بغيره . لكن السيئ في الأمر, أن يتقاطع دعاة الديمقراطية مع الاحتلال الأمريكي كما نراه الآن .بحجة أن الاثنين ضد النظام. ويتحول دعاة الديمقراطية إلى مساندين للاحتلال بدل أن يكونوا مقاومون.
– ومن المؤسف أيضا ,أن نجد في الداخل – من يقابل نزار نيوف في الخارج الذي يدعو إلى تشكيل حكومة ظل – مفكراَ تحول إلى الليبرالية الجديدة حديثا ,يشارك الأمريكان في ضغوطها على سوريا . حيث اكتشف أن ” النظام لا يرضخ إلا بالضغوط الدولية ” وبالتالي فاٍن “الاستنجاد بالضمير العالمي على ظلم ذوي القربى ضرورة لإيقاف المأساة المستمرة منذ ثلاثة عقود وحتى اليوم “. ثم ينتقل في مقالته ” دعوة إلى تكليف رياض سيف بتشكيل حكومة سورية” , إلى أن كل ” الفضلاء ” في سوريا اتفقوا على صياغة البرنامج الليبرالي الديمقراطي . إلا انه ” على الحركة الديمقراطية في سوريا أن تنتقل من مرحلة صياغة البرنامج النظري إلى مرحلة تقديم اقتراحات إجرائية عملياتية تجاوبا مع الإيقاع العالمي المتسارع باتجاه الديمقراطية “. وأما الاقتراح العظيم للنقلة العملية فهو ” الدعوة إلى تشكيل حكومة وطنية ديمقراطية , انتقالية ,لمدة سنتين . برئاسة (رياض سيف ) الذي يتعهد بإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة , على اعتبار أن سوريا ليس فيها قضاء كالشقيقة مصر ليشرف على أية انتخابات “. طبعا يجب على السلطة أن تفرج عن رياض سيف الموجود الآن في السجن وتنقله إلى الحكم لينقذ البلاد ! ومع ذلك يقول د.عيد ” نحن لا ننتظر الإنقاذ الوطني كمكرمة من حزب البعث …. ولا الإنقاذ من الخارج الأمريكي أو الأوروبي ” إنما “نناشد البرلمانات العالمية والأمم المتحدة وهيئات المجتمع الدولي وحقوق الإنسان للتدخل الفاعل من اجل وقف هذه المهزلة السوداء…ونحن ــ نحن هنا للتفخيم الذاتي وليس للتعبير عن مجموعة ــ نريد أن ننضم للنادي الديمقراطي العالمي ,نادي الحريات واحترام حقوق الإنسان ” ….” ونحن ليس لدينا أية رغبة للتحدي العصابي المرضي للخارج الدولي والعالمي .” لنتوقف عند بعض الملاحظات :
ـــ أليس من الوهم الاعتقاد بان النظام سينهار تحت الضغوط الأمريكية الراهنة ويخرج سيف من السجن إلى الحكم لينقذ البلاد .؟ وإذا انهار النظام بالضغط الأمريكي , فأمريكا لن تضع حكومة يختارها الشعب السوري ,إنما ستضع حكومة تنفذ ما يريده الأمريكان من سوريا . لأننا نغالط طبيعة الأشياء إذا اقتنعنا بغير ذلك . إلا إذا كان هناك توافق بين ما تريده أمريكا ,مع مصالح الشعب السوري.وهذا ما تريد المقالة ترسيخه. فهل يتوافق الاحتلال الأمريكي لسوريا مع مصالح الشعب السوري عند د.عيد, كما حصل في العراق.مع معرفتي بأنه كان من اشد المدافعين عن العراق ضد الاحتلال الأمريكي.!
ـــ لماذا اللعب بالكلمات ومحاولة التمويه و استغباء القراء. فان( سيف) سيصعد للحكومة ــ كما يرغب د.عيدــ بفعل الضغوط الأمريكية الراهنة على سوريا بعد انهيار النظام .فلماذا لا يقول ذلك صراحة: أنا مع الأمريكان . فنراه يلجأ إلى تعابير مثل:الاستنجاد بالضمير العالمي,نادي الديمقراطية العالمي وحقوق الإنسان ….الخ فالآن الذي يعمل على إسقاط السلطة في سوريا هي أمريكا وليس المنظمات المذكورة .وان المنظمات المذكورة لم تكن قادرة في يوم من الأيام على إسقاط أية حكومة في التاريخ.وبسبب قراءة هذه الضغوط الأمريكية الراهنة,النزقة ,والتقدير بان النظام على وشك الانهيار ,جاء د.عيد مسرعا لإنقاذ الوطن على يد(سيف). إلا إذا كان د.عيد يعتقد أن أمريكا تمثل النادي الديمقراطي العالمي وحقوق الإنسان,والضمير العالمي…الخ كما يفهم من المقال فانه بذلك يعاند الواقع الذي يضيف كل يوم المزيد من الجرائم الأمريكية على مستوى العالم. ولذلك تبدو العبارة “نحن لا ننتظر الإنقاذ من الخارج الأمريكي أو الأوروبي ” خارج سياق المقال كله لأنها متناقضة مع الاستنجاد بالخارج الذي يشكل الأساس لصعود سيف للحكومة .ويصبح تفسير عدم رغبته بالتحدي العصابي المرضي للخارج الدولي أكثر صعوبة.إذ هل يعتبر الموقف ضد احتلال أمريكا لسوريا هو تحديا عصابيا.؟
ـــ وبدلا من الحديث عن إشراف القضاء على الانتخابات,بعد تنقيته من شبكات الفساد والتسلط الأمني والسياسي.يتم استبعاده,والتعويض عنه بالأمم المتحدة. لكن هل القضاء المصري اقل فسادا من القضاء السوري؟بالتأكيد لا. وهل الأمم المتحدة القادمة مع الاحتلال الأمريكي اقل فسادا من القضاء السوري؟بالتأكيد لا. ربما يريد المقال اجتثاث القضاء كما يتم الآن اجتثاث البعث من العراق .!
ــــ صحيح أن سوريا بحاجة إلى ليبرالية ديمقراطية ,كحاجتها إلى يسار ديمقراطي ,وأحزاب دينية(وليست طائفية) ديمقراطية,وكلها تتفق على إقامة دولة ديمقراطية ليبرالية علمانية للجميع.وهذا يشكل بداية لإنقاذ البلاد.إلا أنها لا تحتاج بالتأكيد إلى الليبرالية العولمية الأمريكية ،التي تدمر كل من يقف في وجهها.وللأسف فاٍن المقال يروج لهذه الأخيرة. وعلى الأرجح فاٍن الاستنجاد بأمريكا لإسقاط النظام يجعل المرشح الأول للرئاسة من أشباه “رامي مخلوف”وهو أيضا ليبرالي من الطراز الأول,وليس أمثال رياض سيف. أما لماذا وقع الاختيار على رياض سيف فتلك مسألة شخصية تتعلق بصاحب المقال فقط .لان هناك الكثير من الليبراليين الذين تنطبق عليهم الصفات التي تم اختيارها ل”سيف” .وكان من الأفضل الحديث عن اتجاه وليس الحشر ضمن اسم محدد ,وخاصة أننا لسنا في مرحلة الانتخابات,واختيار المرشحين .

 

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة