أنا (25/12)

أنا (25/12) أمضيت ثلاث سنوات في سجون الطاغية، تحت الأرض وعلى الأرض وفوق الأرض.. أمضيتها قويا وهشا /جائعا وجامحا /كريما ولئيماً..
يسندني الحلم وتأكلني الخيبات…
أدافع عن بقائي بشراسة ذئب يخاف أن يرى الآخرون جرحه..
تلك حدوديَ المرسومةُ بعناية الموت في فرع فلسطين / القبو الأوّل / المهجع 122 / ثلاث بلاطات على العضاضة اليمنى، تلك المساحة التي أخذتها عنوةً ودون استئذان أحد بعد موت صاحبها (17/12)
لم أكن أفكّر بحريّة سوريا وقتذاك، فوخز الدم في البول كان أحدّ من تذكّر صورة وأقسى من وعي فكرة، وأقلّ شهوةً من تمنّي العدم!
لم أكن قادرا على فهم معنى الندم فهوسي بالدفاع عن سانتيمترات وجودي كان أكثر حظوة في تلافيف دماغي من المفردات و القواميس، و خططي التي لا تنتهي من أجل ثوان إضافية في دورة المياه كانت أسمى من الحنين و أبهى من طوابير الذكريات!
أنا (25/122) ثابتٌ مع مجموعة صغيرة من الأرقام الثابتة ينهشنا الموت على مَهَلٍ بينما مائة و عشرون رقما على 12 تتغيّر ملامحهم كلّما أخذهم الموت و عاد بهم أشكالاً جديدة طازجة و قابلة لشهوة الأخذ!
ثمّة ما يقال في هذا المقام، و ثمّة ما لا يقال ، ما الذي أستطيع أن أحكيه عن الأرقام التي سحقت قلبي الطفل و غيرتني إلى غير رجعة ؟ هل رأيتم أحدا يتقيأ قيحاً ، هل سمعتم عن أحد يغطّي قدمه المتعفّنة بجثّة رقم أكل و إيّاه قبل ساعات، لا لشيء سوى أنّه لم يعد يحتمل رائحتها الصفراء و لم يعد يقدر على رؤية ألوانها النحاسية تتضاءل كلّما حكّها و جرف جزءا منها !
أيّ خلط هائل للقيم و المفاهيم و الأعراف يمكن أن يحدث عندما تجبر نفسك على التفكير أنّك سوف تمدّ قدميك اليوم أثناء النوم ، لحظة ضرب الباب الحديدي بقبضة الغول ؛ لأنّ ثلاثين رقماً ابتلعهم الموت قبل قليل ، و سيبتلع غيرهم بعد قليل بسبب عدم وجود حبّة صغيرة صفراء توقف الإسهال !
أيّ حقدٍ يعيث فساداً في مخيّلة الغول الرمادي وقتما فتح الباب الحديديّ و صرخ بــ (113/122) كي يهرول راكعاً خانعا ذليلا إلى حضرة حذائه فيمسح به الأرض و الجدران و يضربه ضرب القادر على كل شيء إلى أن خرج كلّ شيء من فمه و أنفه و أذنيه و مؤخرته .ثمّ وبكلّ ما أوتي من جبروت الطغاة و بشاعتهم أمسكه من شعره المتموّج المسترسل على كتفيه الأزرقين و أجبره على لعق و ابتلاع كلّ ما خرج منه .أصبح للرقم (113/12) ملامح جديدة طازجة و نقية صبيحة اليوم التالي في انتظار شهوة الأخذ …
أنا (25/122) لوني أصفر شاحب و ساقي اليسرى الصفراء منفوخة كساق الفيل لم أكن أقدر على تحريكها ، كلّ ما حولي أصفر ، الضوء البعيد أصفر ، و الوجوه صفراء ، و القيح ، أصفر ، و الدم أصفر أيضا إلّا الكثير من الوجع و الرغبات و التهويمات و الآيات التي تعجّل بلحظة نسميها الخلاص و لا أرها سوى شهوة صغيرة أيضاً من شهوات الأخذ !
أنا (25/122) خرجت من غرفة الموت هذه بلا ملامح و لا مشاعر و لا أحاسيس إلى بناء مهيب يسمى سجن دمشق المركزي .. أصبح اسمي وائل سعد الدين و بدأت أحاكم في محكمة قضايا الإرهاب بتهمتي ترويج أعمال إرهابية و تمويل أعمال إرهابية ….
لن أتحدّث عن سجن دمشق المركزي فكللكم تعرفونه جيّدا حيث الوقت سيد الأحكام و المربّعات الممتلئة بالبسطاء والطيبين والثوّار واللصوص والقوّادين والقتلة وما هبّ ودبّ من أصحاب الجُنَحْ وأصحاب الجرائم الشائنة إضافة إلى الشبيحة الذين لن أتحدّث عنهم أيضاً …..
ما أودّ قوله فقط :المعتقلون لا ينتظرون مؤتمرا .. و لا أغنية .. و لا مبادرة .. و في أحايين كثيرة لا ينتظرون الشمس ، كما كنت .. أتذكّر فقط أن الله كان قريباً مني ..قريباجدانظرت إليه من خلال شقوق السقف في المهجع رقم 12 / لقد أخبرني مرة أنّي أقوى من الانتحار ! و أجزم أنه أخبر الكثيرين مثلما أخبرني !
وائل سعد الدين 11/8/20166 غازي عنتاب

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة